السرخسي

9

أصول السرخسي

وأما ما يكون من أئمة الحديث فهو الطعن في الرواة ، وذلك نوعان : مبهم ، ومفسر . ثم المفسر نوعان : ما لا يصلح أن يكون طعنا ، وما يصلح أن يكون . والذي يصلح نوعان : مجتهد فيه ، أو متفق عليه . والمتفق عليه نوعان : أن يكون ممن هو مشهور بالنصيحة والاتقان ، أو ممن هو معروف بالتعصب والعداوة . فأما الطعن المبهم فهو عند الفقهاء لا يكون جرحا ، لان العدالة باعتبار ظاهر الدين ثابت لكل مسلم خصوصا من كان من القرون الثلاثة ، فلا يترك ذلك بطعن مبهم ، ألا ترى أن الشهادة أضيق من رواية الخبر في هذا . ثم الطعن المبهم من المدعى عليه لا يكون جرحا فكذلك من المزكي ، ولا يمتنع العمل بالشهادة لأجل الطعن المبهم ، فلان لا يخرج الحديث بالطعن المبهم من أن يكون حجة أولى . وهذا للعادة الظاهرة أن الانسان إذا لحقه من غير ما يسوءه فإنه يعجز عن إمساك لسانه في ذلك الوقت حتى يطعن فيه طعنا مبهما إلا من عصمه الله تعالى ، ثم إذا طلب منه تفسير ذلك لا يكون له أصل . والمفسر الذي لا يصلح أن يكون طعنا لا يوجب الجرح أيضا ، وذلك مثل طعن بعض المتعنتين في أبي حنيفة أنه دس ابنه ليأخذ كتب أستاذه حماد فكان يروي من ذلك . وهذا إن صح فهو لا يصلح طعنا بل هو دليل الاتقان فقد كان هو لا يستجيز الرواية إلا عن حفظ ، والانسان لا يقوى اعتماده على جميع ما يحفظه ، ففعل ذلك ليقابل حفظه بكتب أستاذه فيزداد به معنى الاتقان . وكذلك الطعن بالتدليس على من يقول حدثني فلان عن فلان ولا يقول قال حدثني فلان فإن هذا لا يصلح أن يكون طعنا ، لان هذا يوهم الارسال ، وإذا كان حقيقة الارسال دليل زيادة الاتقان على ما بينا فما يوهم الارسال كيف يكون طعنا . ومنه الطعن بالتلبيس على من يكنى عن الراوي ولا يذكر اسمه ولا نسبه ، نحو رواية سفيان الثوري بقوله حدثنا أبو سعيد من غير بيان يعلم به أن هذا ثقة أو غير ثقة ، ونحو رواية محمد بقوله أخبرنا الثقة من غير تفسير ، فإن هذا محمول على أحسن الوجوه وهو صيانة الراوي من أن يطعن فيه ( بعض ) من لا يبالي وصيانة السامع من أن